انا لله وانا اليه راجعون نسألكم الدعاء بالرحمة والمغفرة لوالدة المشرف العام ( أبو سيف ) لوفاتها رحمها الله ... نسأل الله ان يتغمدها بواسع رحمته . اللهم آمـــين

العودة   منتديات الحور العين > .:: المنتديات الشرعية ::. > وسائل تحصيل العلم الشرعي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-07-2009, 01:48 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي عوائق الطلب، للشيخ عبد السلام بن برجس طيب الله ثراه

 

{عوائق الطلب}

الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده .

أما بعد فهذه كلمات موجزة – كنت قد نشرت بعضها في مجلة (( المجاهد )) عام 1409 هـ - تتناول بعض ما يعيق طالب العلم عن مواصلة سيره في تحصيل العلم النافع ، بالشرح والبيان .

وكان الباعث علي تحريرها الإشفاق على نهضتنا العلمية من الدخيل على أسسها الثابتة التى أرساها سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم أجمعين – والأخذ بيد شباب هذه النهضة المباركة تحو أفض السبل لنيل العلوم الشرعية .

وقد سقتها على شكل معيقات ، ليكون أدعى لاجتنابها وأقوى في التحذير منها ، على أن في ضمن هذه المعيقات ما يهدى إلى توقيها ، ويعين علي التخلص منها وقد أكثرت من النقل عن السلف الصلح فيما يتعلق بهذه المعيقات بيرتبط بهم القارئ ، ويأخذ من سيرهم منهجاً له ، فإنهم أهدى وأتقي .

ورحم الله ابن مجاهد – المقرئ – عندما قال له رجل : لم لا تختار لنفسك حرفاً ؟ فقال : نحن إلى أن نُعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا أحوج منا إلى اختياره ([1])

وختمتها بصفحات مفيدة حررها العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله – فيها جملة من الفوائد المتعلقة بآداب المعلمين والمتعلمين ، رأيت ضمها إلى هذه النبذة تكميلاً للفائدة وتعميماً للنفع .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتبه

عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم

25 رجب 1412 هـ

العائق الأول

طلب العلم لغير وجه الله تعالى

عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله ص يقول (( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرءٍ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه )) ([2])

وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال : ( لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم . ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم ، فهانوا عليهم ) .

سمعت نبيكم ص يقول : من جعل الهموم هماً واحداً ، هم آخرته ، كفاه الله هم الدنيا ، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا ، لم يبال الله في أي أوديتها هلك )) ([3])

إن أحق ما اعتني طالب العلم به معالجة النية ، وتعهدها بالإصلاح ، وحمايتها من الفساد .

وذلك لأن العلم إنما اكتسب الفض لكونه خالصاً لوجه الله تعالي ، إما إذا كان لغيره فلا فضيلة فيه ، بل هو فتنة ووبال وسوء عاقبة . وقد علم أن قبول الأعمال متوقف علي إخلاصها وصلاحها كما قال تعالى :

(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ.... )الآية

فإذا قصد الطالب بالعلم عرض الدنيا ، فقد عصى ربه ، وأتعب نفسه ، وباء بإثمه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له .

قال الحسن – رحمه الله - :

( من طلب العلم ابتغاء الآخرة أدركها ، ومن طلب العلم ابتغاء الدنيا فهو حظه منه ) .

وقال الزهري : ( فذال حظه منها ) ([4])

وأبغ من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ص فيما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه - :

(( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا ، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة )) . يعني : ريحها ([5])

قال ابن عطاءٍ – رحمه الله – فيمن تعلم لغير الله :

( جعل الله العلم الذى علمه من هذا وصفه حجة عليه ، وسبباً في تحصيل العقوبة لديه . ولا يغرنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر ، وفي الخبر : ( إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا والرفعة فيها كمن رفع العذرة بملعقة من الياقوت ، فما أشرف الوسيلة وما أخس المتوسل إليه ) ([6])

وقال سحنون ( كان ابن القاسم قلما يعرض لنا إلا وهو يقول : اتقوا الله فإن قليل هذا الأمر- يعني العلم – مع تقوى الله كثير ، وكثيره مع غير التقوى قليل ) ([7])

وقال يوسف بن الحسين : ( سمعت ذا النون المصري يقول : كان العلماء يتواعظون بثلاثٍ ، ويكتب بعضهم إلى بعض : من أحسن سريرته ، أحسن الله علانيته .

ومن أصلح ما بينه وبين الله ، أصلح الله ما بينه وبين الناس . ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه ) ([8])

وقال ابن المبارك – رحمه الله - :

( أول العلم النية ، ثم الاستماع . ثم الفهم ، ثم : الحفظ ، ثم : العمل ، ثم : النشر ) ([9])

وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه ، ألا وهو : أن جماعة من السلف قالوا : ( كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة ) و( طلبنا هذاالأمر ليس فيه نية ثم جاءت النية بعد ) و( من طلب العلم لغير الله يأبي عليه حتى يصيره إلى الله ) ([10]) ونحو هذه العبارات .

وقد شرح الذهبي – رحمه الله تعالي – هذه العبارات شرحاً مفيداً فقال علي قول معمر بن راشد :

أن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبي العلم حتى يكون لله

نعم يطلبه أولاً والحامل له حب العلم وحب إزالة الجهل وحب الوظائف ونحو ذلك ولم يكن عيب وجوب الإخلاص فيه ولا صدق النية فغذا علم حبه نفسه وخاف من وبال قصده فتجيء النية كلها أو بعضها وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم وعلامة ذلك أنه يقصر من الدعاوي ومن قصد التكثر بعلمه ويذري علي نفسه فإن تكثر أو قال أنا أعلم من فلان فبعداً له ([11])

ومن ذلك ما يذكره بعض القصاص من أن رجلاً خطب إمرأة ذات منصب وجمال فأبت لفقره وقله حسبه ففكر بأي الأمرين ينالها أبلمال أم الحسب فاختار الحساب وطلب له العلم حتى أصبح ذا مكانة فبعثت غليه المرأة تعرض نفسها فقال لا أوثر علي العلم شيئاً وذلك لأن العلم أرشده إلي تصحيح النية والأعمال الصالحة فدخل في عداد (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

فتورع بترك امرأةٍ كان طلب العلم لأجلها ، إعلاماً بصدق قصده وسلامة مأربه .

ومما قلته في هذا المعنى من الأبيات :

إليكم يرفع المأسور شكوى رجاء المن أو أخذ الفداء

فقد غلت مباسمكم يديه إلى الأذقان بعد العلاء

وقد أضحى صريعاً في هواكم قعيد البيت في حر التنائي

براه الشوق والهجران منكم وأدمى قلبه طول العناء

فسل القلب عنهم في رياض تحل العبد أطباق السماء

وتسموا بالوضيع إلى المعالي وتكسوا العري أثواب الثناء

وتبني للفتى ذكراً مشيداً وتحيي رسمه طول ابقاء

رياض بالمعارف قد تباهت وفاق جمالها جيد الظباء

إذا ما حلها العشاق يوماً تولى عنهم عشق النساء

وقد كانوا قديماً في قيود يذل لفكها شوس الدهاء

تحلت بالشيوخ إذا تبدوا أناروا الكون من شرف الضياء

شيوخ بالمعارف قد تغذوا وسيط الحلم في مجرى الدماء

لهم في العلم صولات وسبق وفي الأفعال جد في خفاء

وفيها الطالبون إذا غشوها أثاروا المسك من حسن البهاء

تراهم نحوها يسعون جهداً رجاء المن أو أخذ الفداء



فالحذر الحذر أيها الطالب من الشرك في النية ، فإن الله تعالى يقول – كما في الحديث القدسي - :

(( أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملاً اشرك فيه معي غيري تركته وشركه ([12])

وقد أجمع العارفون على أن استحكام الهلكة إنما يكون إذا خلى الله بين الإنسان ونفسه ، عندئذٍ تتخطفه الشياطين ، وتتشعب به المسالك ، وتكون النار أولى به .

قال حماد بن سلمة – رحمه الله - : ( من طلب الحديث لغير الله مكر به ) ([13])

وإن صلاح النية فيالعلم لأكبر معين عليه كما قال أبو عبد الله الروذباري : ( العلم موقوف علي العمل ، والعمل موقوف على الإخلاص ، والإخلاص يورث الفهم عن اله عز وجل ) ([14])

وفي سننن الدارمي ( 1/71 ) عن إبراهيم النخعي أنه قال :

( من ابتغي شيئاً من العلم يبتغي به وجه الله آتاه الله منه ما يكفيه ) .

تنبيه : يستدل بعض الناس عللى أن العمل يورث العلم دون تعلم ، بقوله تعالي )وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )(البقرة: من الآية282)

قال في (( تفسير المنار )) نقلاً عن شيخه 3/128 : ( اشتهر على ألسنة المدعين للتصوف في معني هاتين الجملتين ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )أن التقوى تكون سبباً للعلم ، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم ، وما يأتون به فيها من الرياضة ، وتلاوة الأوراد ، والأحزاب : تثمر لهم العلوم الإلهية .. بدون تعلم .

ويرد استدلالهم بالآية على ذلك من وجهين :

أحدهما : أنه لا يرضى به سيبويه – وله الحق في ذلك – لأن عطف ( يعلمكم ) علي ( اتقوا الله ) ينافي أن يكون جزاءً له ، ومرتباً عليه لأن العطف يقتضى المغايرة ....

الثاني : أن قولهم هذا عبارة عن جعل المسبب سبباً والفرع أصلاً ، والنتيجة مقدمة .

فإن المعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى ، فلا تقوى بلا علم ، فالعلم هو الأصل الأول وعليه المعول ... ) . ا هـ .


وهذا كلام جيد ويضاف إليه إيضاحاً : أن العمل يكسب القلب قوة إيمانية ، فيستوعب من العلوم ، ويدرك من الفوائد ، ما لا يدركه من تأخر عن هذه الرتبة . وهذا مشاهد بالعيان ومدرك بالحس

أما من تعبد لله وترك العلم ، وقال ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )

فهو جاهل لا تجاريه الرعاع في جهله ، والله الحافظ .






رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-07-2009, 02:20 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

العائق الثاني

ترك العمل




عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله ص :

(( لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيما فعل به ، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه )) ([15])

وأخرج الخطيب نحوه وفيه : (( وعن علمه ماذا عمل فيه )) ([16])



وفيه عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – أنه قال : (( لا تكون عالماً حتى تكون متعالماً ، ولا تكون بالعلم عالماً حتى تتكون به عاملاً ))

وفيه عن علي – رضي الله عنه – أنه قال ( هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل )

وعن الفضيل بن عياض أنه قال : ( لا يزال العالم جاهلاً بما علم حتى يعمل به ، فإذا عمل به كان عالماً )

العمل بالعلم مدعاة لحفظه وثباته ، كما أن عدم العمل مدعاة لضياع العلم ونسيانه ، ولذلك قال الشعبي – رحمه الله – ( كنا نستعين علي حفظ الحديث بالعمل به ، وكنا نستعين على طلبه بالصوم ) ([17])

وقال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - :

( إني لأحسب العبد ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها ) .

وقد كان دأب السلف الصالح العمل بالعلم وبذلك حازوا قصبات السبق ، وبورك في علمهم ولذا قال أبو عبد الرحمن السلمى – رحمه الله تعالى - : ( حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل فتعلموا القرآن والعمل جميعاً ) .

وترك العلمل بالعلم على قسمين :

الأول : ترك الائتمار بالواجبات الشرعية ، وترك الانتهاء عن المحرمات الشرعية فهذه كبيرة من الكبائر ، وعليه تحمل الآيات والأحاديث المتوعدة من ترك العمل بالعلم .

القسم الثاني : ترك المستحبات ، وترك اجتناب الممكروهات فهذا قد يذم ولكن لا يدخل في أحاديث الوعيد ، إلا أن العالم وطالب العلم لهما المحافظة علي السنن ، واجتناب المكروهات ([18]) . والله أعلم .

قال ابن الجوزي – رحمه الله - :

( والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ، ففاته لذات الدنيا ، وخيرات الآخرة ، فقدم مفلساً مع قوة الحجة عليه ) . ا هـ ([19]).

** * * *

العائق الثالث

الاعتماد على الكتب دون العلماء



يرى بعض الطلبة من نفسه قدرةً على أخذ العلم من الكتب دون الرجوع إلى العلماء فى توضيح عباراتها ، وحل مشكلاتها وهذه الثقة بالنفس داء طالما رأينا صرعاه منبوذين ، وعن عداد أهل العلم مبعدين ، ما أكثر خطأهم ، وأبعد نجعتهم وأشنع تناقضهم .

قال الإمام الشافعي – رحمه الله تعالي - : ( من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام )

وكان بعضهم يقول : ( من أعظم البلية تشيخ الصحيفة ) . أي الذين تعلموا من الصحف . ([20])

قال الفقيه سليمان بن موسي : ( كان يقال : لا تأخذوا القرآن من المصحفين ، ولا العلم من الصحفيين ) .

وقال الإمام سعيد بن عبد العزيز التنوخي – وكان يساوى بالأوزعى - : كان يقال : ( لا تحملوا العلم عن صحفي ، ولا تأخذوا القرآن من مصحفي ) ([21])

وقديماً قيل : ( من كان شيخه كتابه ، كان خطؤه أكثر من صوابه )

ولقد أحسن أبو حسان النحوى حينما قال :

يظن الغُمر أن الكتب تجدي أخا فهمٍ لإدراك العلوم

وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم

إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس الامور عليك حتى تكون أضل من توما الحكيم



وقد شرح العلماء المعني الذي من أجله ألزم الطالب أخذ العلم من أفواه العلماء ، فمن ذلك قول ابن بطلان – رحمه اله - : ( يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم وهى معدومة عند المعلم وهي : التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ والغلط بروغان البصر ... وقلة الخبرة بالإعراب ، أو فساد الموجود منه ، وإصلاح الكتاب ، وكتابة ما لا يقرأ ، وكتابة ما لا يكتب ، ومذهب صاحب الكتاب ، وسقم النسخ ، ورداءة النقل ،وإدماج القارئ مواضع المقاطع ، وخلط مبادئ التعليم ، وذكر ألفاظٍ مصطلح عليها في تلك الصناعة ... فهذه كلها معوقة عن العلم ، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قرءته علي المعلم .

إذا كان الأمر علي هذه الصورة ، فالقراءة علي العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان ، وهو ما أردنا بيانه ) . ا هـ .

وقد ذكر قبل هذا الوجه خمسة أوجهٍ في بيان العلل التي من أجلها صار التعلم من أفواه الرجال أفضل من التعلم من المصحف ، فالتنظر في (( شرح إحياء علوم الدين )) ([22])

********

العائق الرابع

أخذ العلم عن الأصاغر


لقد فشت ظاهرة أخذ العلم عن صغار الأسنان بين طلاب العلم في هذا الزمن .

وهذه الظاهرة – في الحقيقة – داء عضال ، ومرض مزمن يعيق الطالب عن مراده ، ويعوج به عن الطريق السليم الموصل إلي العلم .

وذلك لأن اخذ العلم عن صغار الأسنان ، الذين لم ترسخ قدمهم ، ولم تشب لحاهم في وجود من هو أكبر منهم سناً ، وأرسخ قدماً ، يضعف أساس المبتدئ ، ويحرمه الإستفادة من خبرة العلماء الكبار ، واكتساب أخلاقهم التي قومها العلم والزمن ... إلي غير ذلك من التعليلات التي يوحي بها أثر ابن مسعود – رضي الله عنه – حيث يقول :

( ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ، وعن أمنائهم ، وعلمائهم ، فإذا أخذوه عن صغارهم ، وشرارهم هلكوا ) .

وثبت الحديث عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله ص قال :

(( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر )).

وقد اختلف الناس في تفسير : (( الصغار )) هنا علي أقوال ذكرها ابن عبد البر في (( الجامع )) ( 1/157 ) ، والشاطبي في (( الاعتصام )) ( 2/93 )

وقد ذهب ابن قتيبة – رحمه الله تعالي – إلى أن الصغار هم صغر الاسنان ، فقال علي أثر ابن مسعود الآنف الذكر : ( يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ، ولم يكن علماؤهم الأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب ، وحِدته وعجلته ، وسفهه ، واستصحب التجربة والخبرة ، ولا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به الطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، فمع السن : الوقار ، والجلالة ، والهيبة .

والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت علي الشيخ ، فإذا دخلت عليه ،وأفتى هلك وأهلك ) . ا هـ ([23]) .

وقد روى ابن عبد البر عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال : (( قد علمت متى صلاح الناس ، ومتى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير ، وإذا جاء الفقه من الكبير تابعه الصغير فاهتديا ))ز

وروى ابن عبد البر – أيضاً – عن أبي الأحوص عن عبد الله قال ( إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم ، فإن كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير )

ففي هذين الأثرين تعليل لعدم الأخذ عن (( الصغير )) آخر غير الذي ذكره ابن قتيبة . وهو : خشية رد العلم إذا جاء من الصغير .

وعلى كلً فإن لفظه (( الصغير )) عامة تتناول الصغير حساً ومعنىً .

وهذا الحكم ليس علي إطلاقه في (( صغير السن ))فقد أفتي ودرس جمعة من الصحابة والتابعين في صغرهم بحضرة الأكابر . إلا أن هؤلاء يندر وجود مثلهم فيمن بعدهم ، فإن وجدوا وعلم صلاحهم ، وسبر علمهم فظهرت رصانته ، ولم يوجد من الكبار أحد يؤخذ عنه العلوم التي معهم ، وأمنت الفتنة ، فليؤخذ عنهم .

وليس المراد أن يهجر علم الحدث مع وجود الأكابر كلا ،وإنما المراد أنزال الناس منازلهم ، فحق الحدث النابغ أن ينتفع به في المدارسة والمذاكرة ، والمباحثة ... أما أن يصدر للفتوى ، ويكتب غليه بالأسئلة ، فلا وألف لا ، لأن ذلك قتل له ، وفتنة ، وتغرير .

قال افضيل ابن عياض – رحمه الله – ( لو رأيت رجلاً اجتمع الناس حوله لقلت : هذا مجنون ، من الذي اجتمع الناس حوله لا يحب أن يجود كلامه لهم ) .

وقال أيضاً : ( بلغني أن العلماء فيما مضى كانوا إذا تعلموا عملوا ،وإذا عملوا شغلوا ، وإذا شغلوا فقدوا وطلبوا ، فإذا طلبوا هربوا ) ([24]) فيا أيها الطلاب إن أردتم العلم من منابعه فهاؤهم العلماء الكبار الذين شابت لحاهم ، ونحلت جسومهم وذبلت قواهم في العلم والتعليم ، الزموهم قبل أن تفقدوهم ، واستخرجوا كنوزهم قبل أن تواري معهم ، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر .

تنبيه : في هذا الزمان اختل معيار كثير من العامة في تقييم العلماء ، فجعلوا كل من وعظ موعظة بليغة ، أو ألقي محاضرات هادفة ، أو خطب الجمعة مرتجلاً ... عالماً يرجع إليه في الإفتاء ويؤخذ العلم عنه .

وهذه رزية مؤلمة ، وظاهرة مرزية ، تطاير شررها وعم ضررها ، إذ هي في إسناد العلم إلى غير أهله فانتظر الساعة .

فليحذر الطالب في أخذ العلم عن هؤلاء ، إلا إذا كانوا من أهل العلم المعروفين ، فما كل من أجاد التعبير كان عالماً ولا كل من حرف وجوه الناس إليه بالوقيعة في ولاة أمور المسلمين ، أو بذكر النسب لوفيات الإيدز ونحوها يكون عالماً .

وليس معني ما تقدم – كما يفهم البعض – عدم الاستماع إليهم ، أو الإنتفاع بمواعظهم ، كلا إنما المراد عدم أخذ العلم الشرعي عنهم وعدم رفعهم إلي منازل العلماء ، والله الموفق .



رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-07-2009, 02:23 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

العائق الخامس

عدم التدرج في العلم


لا ترى أحداً من العلماء يناززع في مبدأ (( التدرج )) لأنه الوسيلة الناجحة لأخذ العلم وفهمه .

وهذا مأخوذ من كتاب الله تعالى ، قال تعالي : )وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) (الاسراء:106)

(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) (الاسراء:106)

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان:32)

قال الزبيدي نقلاً عن (( الذريعة )) في وظائفالمتعلم : ( يجب أن لا يخوض في فن حتي يتناول الفن الذي قبله على الترتيب بلغته ويقضي منه حاجته فازدحام العلم في السمع مضلة الفهم ) .

وعلي هذا قال تعالي :

)الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ )(البقرة: من الآية121)

أي لا يتجاوزون فنا حتي يحكموه علماً وعملاً فيجب أن يقدم الأهم فالأهم من غير إخلال في الترتيب .

وكثير من الناس منعوا الوصول لتركهم الأصول . وحقه أن يكون قصده في كل علم يتحراه التبلغ به إلى ما فوقه ، حتى يبلغ النهاية . ا هـ ([25])

والتدرج يكون في أمرين

الأول تدرج بين الفنون .

الثاني : تدرج في الفن الواحد .

وكلا الأمرين يخضع الاجتهاد المعلم ن وطبيعة المكان ، ولذا فإن إشارات العلماء في التدرج تختلف باختلاف مذاهبهم ، وأماكنهم ، وسأضع بين يدي القارئ نماذج من توجيهاتهم ليأخذ ما يلائمه ، بعد موافقة شيخه ومعلمه .

روى ابن المديني عن عبد الوهاب بن همام عن ابن جريح قال : ( أتيت عطاء ) وأنا أريد هذا الشأن ، وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير . فقال لي ابن عمير : قرأت القرآن ؟ قلت لا . قال : فاذهب فاقرأه ، ثم اطلب العلم . فذهبت فغبرت زماناً ، حتى قرأت القرآن ، ثم جئت عطاءً ، وعنده عبد الله / فقال : قرأت الفريضة ؟ قلت لا . قال فتعلم الفريضة ، ثم اطلب العلم . قال فطلبت الفريضة ثم جئت . فقال الآن فاطلب العلم ) ([26])

وقال أبو العيناء :أتيت عبد الله بن داود ، فقال : ما جاء بك ؟ قلت : الحديث قال : أذهب فتحفظ القرآن . قلت قد حفظت القرآن – قال : أقرأ .

( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ .... )

فقرأت العشر حتى أنفذته . فقال : أذهب الآن فتعلم الفرائض . قلت قد تعلمت الصلب والجد ،والكبر قال : فأيما أقرب إليك من أخيك ، أو عمك ؟ قلت : ابن أخي . قال : ولم ؟ قلت : لأن أخي من أمي وعمي من جدي . قال أذهب الآن فتعلم العربية . قال قد علمتها قبل هذين . قال فلما قال عمر – يعني حين طعن – يا لَله ولِلمسلمين ، لم فتح تلك وكسر هذه ؟ قلت فتح تلك اللام علي الدعاء وكسر هذه علي الاستغاثة ، والانتصار .

فقال : لو حدثت أحد لحدثك ([27])

قال أبو عمر ابن عبد البر – رمه الله تعالي - ([28]) طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها ، ومن تعداها جملة فقد نعدى سبيل السلف – رحمهم الله – ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل ، ومن تعداها مجتهداً زل

فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه ، وكل ما يعين علي فهمه ، فواجب طلبه . ولا أقول : إن حفظه كله فرض ، ولك أقول إن ذلك واجب لازم من أحب أن يكون عالماً ليس من باب الفرض .

فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به علي فهمه من لسان العرب ، كان له ذلك عوناً كبيراً على مراده منه ، ومن سنن رسول الله ص .

ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك وهو أمر قريب على من قربه الله عليه .

ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله ص فبها يصل الطالب إلى مراد الله جل وعز في كتابه ، وهى تفتح له أحكام القرآن فتحاً .

وفي سير رسول الله ص تنبيه علي كثير من الناسخ والمنسوخ في السنن .

ومن طلب السنن فليكن معوله علي حديث الأئمة الثقات الحفاظ ... إلى أن قال ص 172 :

فعليك يا أخي بحفظ الأصول ، والعناية بها .

واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ، ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عوناً له علي اجتهاده ، ومفتاحاً لطرائق النظر وتفسيراً لجمل السنن المحتملة للمعاني ، ولم يقلد أحداً نهم تقليد السنن التي يجب الإنقياد إليها علي كل حال دون نظر ، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدي بهم في البحث والتفهم والنظر وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه وحمدهم علي صوابهم – الذي هو أكثر أقوالهم – ولم يبرأهم من الزلل ، كما لم يبرئوا أنفسهم منه .

فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح ، وهو المصيب لحظه والمعاين لرشده والمتبع لسنة نبيه ص وهدي صحابته – رضي الله عنهم ... إلخ . ا هـ

وقال ابن الجوزي :

وقد علم قصر العمر ، وكثرة العلم ، فيبدأ – أي الطالب – بالقرآن وحفظه ، وينظر في تفسيره نظراً متوسطاً لا يخفي عليك بذلك منه شيء .

وإن صح له قراءة القراءات السبعة ، وأشياء من النحو وكتب اللغة ، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن ، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء ، فلينظر في أصول ذلك . وقد رتبت العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعلب . ولينظر فيالتواريخ ليعرف ما لا يستغني عنه كنسب رسول الله ص ، وأقاربه ، وأزواجه ، وما جرى له ، ثم ليقبل علي الفقه فلينظر في المذاهب والخلاف وليكن اعتماده علي مسائل الخلاف ، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه ، فيطلبه من مظانه ، كتفسير آية ، وحديث ، وكلمة لغة .

وتشاغل بأصول الفقه ، وبالفرائض وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم . ا هـ ([29])

هذه شذرات من توجيهاتالعلماء – رحمهم الله تعالي – لطالب العلم وهى خلاصة تجاربهم في طريق التعلم ، أهدوها لنا حفاظاً علي وقتنا ورعاية لتأسيسنا علي النهج القويم ، فلا نحد عن طريقهم لئلا يقع الخلل في معلوماتنا ، فتخوننا ونحن أحوج ما نكون إليها .

من لم يشافه عالماً بأصوله فيقينه في المشكلات ظنون

ورحم الله ابن عبد البر إذ نعى طلاب العلم في زمنه فقل : واعلم – رحمك الله – أن طلب العلم في زماننا هذا ، وفي بلدنا ، قد حاد أهله عن طريق سلفهم ، وسلكوا في ذلك ما لا يعرفه أئمتهم وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم . ا هـ ([30])

وقد رتب ابن الجوزي جدولاً للطالب يبلغ به المنتهى فقال : وأول ما ينبغي أن يكلف – أي طالب العلم – في صباه – حفظ القرآن متقناً ، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم ، ثم مقدمة في النحو يعرف بها اللحن ، ثم الفقه مذهباً وخلافاً ، وما أمكن بع هذا من العلوم فحفظه حسن . ا هـ ([31]) .

ويضاف إلى ذلك النظر في متون الحديث ومصطلحه ، ليكون الفقه مبنياً علي القرآن ، وما صح عن الرسول ص فيبلغ صاحبه الذروة في الفضائل .

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله تعالي - :

أما العلم النافع فهو : العلم المزكي للقلوب والأرواح ، المثمر لسعادة الدارين ، وهو ما جاء به الرسول ص من حديث وتفسير وفقه وما يعين علي ذلك من علوم العربية بحسب حالة الوقت ، والموضوع الذي فيه الإنسان .

وتعيين ما يشتغل به من الكتب يختلف باختلاف الأحوال والبلدان .

والخالة التقريبية في نظرنا هنا : أن يجتهد طالب العلم في حفظ مختصرات الفن الذي يشتغل به فإن تعذر أو قصر عليه حفظه لفظاً ، فليكرره كثيراً حتى ترسخ معانيه في قلبه ، ثم تكون باقي كتب الفن كالتوضيح والتفسير لذك الأصل الذي أدركه وعرفه .

فلو حفظ طالب العلم (( العقيدة الواسطية ))لشيخ الإسلام ابن تيمية . (( وثلاثة الأصول )) وكتاب (( التوحيد )) للشيخ محمد .

وفي الفقه (( مختصر الدليل )) ([32]) و (( مختصر المقنع )) ([33])

وفي الحديث (( بلوغ المرام ))

وفي النحو(( الأجرومية ))

واجتهد في فهم هذه المتون ، وراجع عليها ما تيسر من شروحها ، أو كتب فنها فإنها كالشروح لها . لأن طالب العلم إذا حفظ الأصول وصار له ملكة تامة في معرفتها هانت عليه كتب الفن كلها الصغار والكبار . ومن صيغ الأصول حرم الوصول .

فمن حرص علي هذه العلوم النافعة ،واستعان بالله ، أعانه وبارك له في عمله ، وطريقه الذي سلكه . ومن سلك في طلبه للعلم غير الطريقة النافعة فاتت عليه الأوقات ، ولم يدرك إلا العناء ، كما هو معروف بالمشاهدة والتجربة . ا هـ ([34])

فهذا اقتراح مفصل من الشيخ – رحمه الله تعالي – حري بالاعتناء وقد استقرينا تراجم علمائنا فما منهم من خرج عن هذا السبيل ،وبذلك حازوا قصبات السبق .

وليكن معلوم لدى طالب العلم أن حثنا علي حفظ مختصرٍ في الفقه ليس دعوة إلي التقليد المذموم ،وإنما هو لفوائد شتى ، منها امتلاك الطالب أساسً قوياً في هذه المادة الشاهقة الارتفاع وحصر ذهنه في المسائل الموجودة في هذا المختصر لئلا تختلط عليه المسائل فلا يستطيع التمييز بين أحكامها والسعي في تدرجه إلي مراحل الاجتهاد درجة درجة ،وأول السلم هذه المختصرات .

وليس معنى حفظها العمل بكل ما فيها ، إذ لابد من معلم تقرأ عليه ، فيوضح غامضها ويحل مشكلها ، ويبين الراجح من المرجوح فيها .

والدخول في هذا المبحث مما يستدعي إطالة لا نريدها هنا إلا أنني أنقل أحرفاً عن المصنف الكبير المربي الفاضل العلامة الذهبي – رحمه الله – إذ جعل لكل إنسان منزلته ، فقال من بلغ رتبة الاجتهاد وشهد له بذلك عدة من الأئمة لم يسغ له أن يقلد .

كما أن الفقيه المبتدئ ، والعامي الذي بحفظ القرآن أو كثيراً منه لا يسوغ له الاجتهاد أبداً ، فكيف يجتهد وماذا يقول ؟ وعلام يبني ؟ وكيف يطير ولما يُريش ؟

والقسم الثالث : الفقيه المنتهي ، اليقظ الفهم المحدث ، الذي قد حفظ مختصراً في الفروع ، وكتاباً في قواعد الأصول ، وقرأ النحو وشارك في الفضائل ، مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره ، وقوة مناظرته فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيد ، وتأمل للنظر في دلائل الأئمة ، فمتى وضح له الحق في مسألة ، وثبت فيها النص ، وعمل به أحد الأئمة الأعلام ... فليتبع فيها الحق ، ولا يسلك الرخص ، وليتورع ولا يسعه فيها بعد قيام الحجة عليه تقليداً . ا هـ ([35]) .

فرحم الله امرأً عرف قدر نفسه ، ولم يرفعها فوق منزلتها ، وأخذ العلم على طريقة سلفه .والله المستعان .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-07-2009, 02:24 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

العائق السادس

الغرور والعجب والكبر

معصية الله تعالي عائقة عن مي العلم الشرعي ، لأنه نور الله يقذفه في أفئدة من يشاء من عباده ، ولا يجتمع في قلب نور وظلمة ، ولذا قال ابن مسعود رضي الله عنه : إني لأحسب الرجل ينسي العلم قد علمه بالذنب يعلمه ([36])

ورحم الله الشافعي حيث قال :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

وإن أقبح ما تلبس به طالب العلم من المعاصي – وكلها قبيح – التكبر والتعاظم والغرور ، فيزدري هذا ويترفع عن هذا ، ويتبختر في المشي ، ويتشدق في الكلام ، إلي غير ذلك من صفات العجب بالنفس ، التى نهي الله تعالى عنها في قوله تعالى :

( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)(لقمان: من الآية18)

المرح : التبختر . وقال تعالي : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83)

وفي الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله ص :

(( بينما رجل يمشي في حُلة تعجبه نفسه ، مرجل رأسه ، يختال في مشيته ، إذا خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة )) .

قال ابن الجوزي – رحمه الله –

أفضل الأشياء التزيد من العلم ، فغنه من اقتصر على ما يعلمه فظنه كافياً استبد برأيه ، فصار تعظيمه لنفسه مانعاً من الاستفادة .

قال : غير أن اقتصار الرجل على علمه إذا مازجه نوعُ رؤية للنفس حبس عن إدراك الصواب نعوذ بالله من ذلك . ا هـ ([37]) .

وصدق علي بن ثابت حينما قال :

العلم آفته : الإعجاب والغضب والمال آفته : التبذير والنهب

قال أيوب السختياني : ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله .

وقالوا المتواضع من طلاب العلم أكثر علماً ، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء .

وقيل لحكيم : ما النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها : قال التواضع . قيل له فما البلاء الذي لا يرحم عليه صاحبه قال العجب . ([38])

فليحذر الطالب من هذه الصفات الذميمة التي يمقتها الله ويمقتها المؤمنون ، فإن من تواضع لله رفعه ، وضده : من لم يتواضع لله سفل .

وإذا حدثته نفسه بشيءٍ من ذلك فليذكر مآله ومصيره ، وليعلم أن هناك من هو أصغر منه سناً ، وأكبر منه علماً .

ولقد بلينا في هذا الزمن بشرذمةٍ قليلةٍ – ولله الحمد – يقرؤون كتاباً أو كتابين ، ويحفظون مسألة أو مسألتين ، ثم بعد يوم أو يومين – من أعمارهم في الطلب – يصبحون مجتهدين ، وليتهم يقتصرون على هذا الخيال الكاسد بل يستصغرون غيرهم من العلماء ، بله طلبة العلم والدعاة ، ويرون لأنفسهم مكاناً عالياً لا يصل إليه أحد ، يظهر ذلك علي ملابسهم ، ومشيهم وكلامهم فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وما أعظم ضررهم ، وأقل نفعهم ، وأمتن جهلهم ، نسأل الله تعالي أن يهديهم سواء السبيل .

وإلى هؤلاء أسوق فضلاً نفيساً لابن الجوزي – رحمه الله – حيث يقول :

انتقدت على أكثرالعلماء والزهاد : أنهم يبطنون الكبر .

فهذا ينظر من موضعه وارتفاع غيره عليه ، وهذا لا يعود مريضاً فقيراً يرى نفسه خيراً منه .

وقل من رأيت إلا وهو يرى نفسه . والعجب كل العجب ممن يرى نفسه ، أتراه يماذا رآها !

إن كان بالعلم فقد سبقه العلماء ، وإن كان بالتعبد فقد سبقه العباد ... إلى أن قال :

ومن تلمح خصال نفسه وذنوبها علم أنه على يقين من الذنوب ، والتقصير ، وهومن حال غيره على شك .

فالذي يحذر منه الإعجاب بالنفس ، ورؤية التقدم في أحوال الآخرة والمؤمن الحق لا يزال يحتقر نفسه .

وقد قيل لعمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – إن مت ندفنك في غرفة رسول الله ص ؟ فقال : لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك ، أحب إلي من أن أرى نفسي أهلاً لذلك . ا هـ ([39]) .

قال في تهذيب الأحياء :

والكبر بالعلم ، وهو أعظيم الأفات ، وأغلب الأدواء ، وأبعدها عن قبول العلاج ، إلا بشدةٍ شديدةٍ وجهدٍ جهيدٍ ، وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله ، عظيم عند الناس ، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما .

ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين :

أحدهما : أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد ، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عشره من العالم ، فإن من عصى الله تعالى عن معرفةٍ وعلم فجنايته أفحش ، إذا لم يقض نعمة الله عليه في العلم .

الأمر الثاني : أن العالم يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده ، وأنه إذا تكبر صار ممقوتاً عند الله بغيضاً . ([40]) لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله ص :

(( قال الله تعالى : العز إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن ينازعني عذبته )) ([41]) .

وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر )).

فقال الرجل : أن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسنةً ؟ قال : (( إن الله جميل يحب الجمال ، والكبر بطر الحق ، وغمط الناس )) ([42])

غمط الناس : احتقارهم .

* * *
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-07-2009, 02:27 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

العائق السابع

استعجال الثمر

يظن بعض الطلبة أن العلم لقمة سائغة أو جرعة عذبة ، سرعان ما تظهر نتائجها ، وتتبين فوائدها .

فيؤمل في قرارة نفسه أنه بعد مضي سنة أو أكثر أو أقل – من عمره في الطلب – سيصبح عالماً جهبذاً ، لا يدرك شأوه ، ولا يشق غباره .

وهذه نظرة خاطئة وتصور فاسد ، وأمل كاسد أضراره وخيمة ، ومفاسده عظيمة ، إذ يفضي بصاحبه إلى ما لا تحمد عقباه ، من القول علي الله بغير علم ، والثقة العمياء بالنفس ، وحب العلو والتصدر ... وينتهي مطافه بين هذه الأشياء إلى هجر الانتساب للعلم وأهله .

ولقد أصاب المأمون عندما قال – متهكماً بهذا الضرب من الطلبة - : يطلب الحديث ثلاثة أيام ثم يقول : أنا من أهل الحديث ([43])

والناظر إلى حالالسلف يرى عجباً من صبرهم على مرارة التحصيل ، وطولالجادة ، لا يفترون ولا يتقاعسون ، ولا يستكبرون ، شعارهم (( العلم من المهد إلى اللحد )) ... (( العلم من المحبرة إلى المكبرة )) .

قال الإمام المديني : قيل للشعبي : من أين لك هذا العلم كله ؟ قال : ( لنفي الاعتماد ، والسير في البلاد ، وصبر كصبر الجماد ، وبكور كبكور الغراب ) ([44])

وقال الإمام الشافعي : ( لا يبلغ في هذا الشأن رجل حتى يضر به الفقر ويؤثره على كل شيء ) ([45]).

وقال ابن حمزة قال لي يعقوب بن سفيان – الحافظ الإمام - : أقمت في الرحلة ثلاثين سنة ) ([46])

وقال يحي بن كثير ( لا يستطاع العلم براحة الجسد ) ([47]) .

وقال ابن الحداد المالكي : ( ما للعلم وملائمة المضاجع ) ([48]) .

فعلي طالب العلم أن يتأسي بهؤلاء الأئمة ، وأن يحذوا حذوهم ، حتى ينال مناه ، ويدرك بغيته ، فإن منهجهم سليم ، وطريقهم قويم وما حصل لهم ما حصل من ذكرٍ حسن ، ونفع مستمر للمسلمين إلا بالصبر والمثابرة ، وازدراء كل ما يبذل من مالٍ ، ووقتٍ في سبيل العلم والمعرفة .

وختاماً أذكر محاورة بين اثنين ، تبين قيمة العلم ومكانته العالية وأنه لا يحصل إلا لمن بذل فيه كل شيءٍ ، على حد قولهم (( أعط للعلم كلك يعطيك بعضه )) .

قال رجل لآخر : بم أدركت العلم ؟

قال : طلبته فوجدته بعيد المراد ، لا يصاد بالسهام ، ولا يرى في المنام ،ولا يورث عن الآباء والأعمام .

فتوسلت إليه بافتراش المدارِ ، واستناد الحجر ، وإدمان السهر وكثرة النظر ، وإعمال الفكر ومتابعة السفر ، وركوب الخطر : فوجدته شيئاً لا يصلح إلا للغرس ولا يغرس إلا في النفس ، ولا يسقي إلا بالدرس .

أرأيت من يشغل نهاره بالجمع ، وليله بالجماع هل يخرج من ذلك فقيهاً ؟ كلا والله .

إن العلم لا يحصل إلا لمن اعتضد الدفاتر ، وحمل المحابر ، وقطع القفار ، وواصل في الطلب الليل والنهار ([49])

ولعل في هذه الممحاورة الظريفة ما يزيل الصورة المترسبة في أذهان بعض الطلبة : من أن العلم ينال في مدة وجيزة ،وفترة قصيرة ، فيواصلوا جهودهم ، ويحتقروا مبذولهم ، في طريق العلم والتعلم ، حتى يفتح الله عليهم أبواب المعرفة والعلم ليصبحوا قادة في العلم ، أئمة في الهدى .

العائق الثامن

دنو الهمة

نرى بين صفوف العلم أناساً يمتلكون مواهب جليلة ، وقدرات هائلة ، تؤهلهم للزعامة العلمية ، إلا أن دنو همتهم يمحق مواهبهم ، ويزيل بهاء ننبوغهم ، فتجدهم يقنعون بيسير المعلومات ،ويأنفون من القراءة والمطالعة ، ويتشاغلون في الطلب والتحصيل .

وهؤلاء سرعان ما تنزع ملكية قدراتهم ، وتسلب بركة اوقاتهم . ذلك بأن كفر النعمة مؤذن برحيلها ، كما أن شكرها مؤذن بمزيدها .

قال الفراء – رحمه الله تعالى – لا أرحم أحداً كرحمتى لرجلين : رجل يطلب العلم ولا فهم له . ورجل يفهم ولا يطلبه . وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم . ([50])

وقال أبو لافرج ابن الجوزي – رحمه الله – تعليقاً على قول أبي الطيب المتنبي :

ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام \

وينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض .

ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد ، رأيت المقصر في تحصيلها حضيض .... والسيرة الجميلة عند الحكماء : خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل .

قال : وفى الجملة لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها فإن القنوع حالة الأراذل .

فكن رجلاً رجله فيالثرى وهامة همته في الثريا

ولو أمكنك عبور كل أحد من العلماء والزهاد فافعل ، فإنهم كانوا رجالاً وأنت رجل ، وما قعد من قعد إلا لدناءة الهمة وخساستها .

واعلم أنك في ميدان سباقٍ والأوقات تنتهب ، فلا تخلد إلى كسل ، فما فات ما فات إلا بكسل ، ولا نال من نال إلا بالجد والعزم . ا هـ ([51])

فيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلاً ، ولا تشغل بسواه أبداً ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك ، وأعظم أجرالمسلمين فيك ، ما اشد خسارتك وأعظم مصيبتك .

دع عنك ذكر الهوى والمولعين به وانهض إلى منزل عال به الدرر

تسلو بمربئة عن كل غالية وعن نعيم لدنيا صفوه كدر

وعن نديم به يلهو مجالسه وعن رياض كساه النور والزهر

انهض إلى العلم في جد بلا كسلٍ نهوض عبد إلى الخيرات يبتدر

واصبر على نيلة المجد له فليس يدركه من ليس يصطبر ([52])

وإن من أنفع الأمور التي تعين على علو الهمة :

النظر في سير السلف – رضى الله عنهم – فإن أحوالهم غاية الكمال علماً وعملاً فإذا ما رآها الطالب ازدرى نفسه وقل عمله في عينه ، فسعى للحوق بالقوم ،والتشبه بهم ، ومن تشبه بقوم فهو منهم .

قال ابن الجوزي :

فالله الله عليكم بملاحظة سير السلف ، ومطالعة تصانيفهم ، وأخبارهم ، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم.

قال : وليكثر من المطالعة ، فإنه يرى من علوم القوم ، وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد . ا هـ ([53]) .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-07-2009, 02:28 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

العائق التاسع والعاشر

التسويف والتمني

التسويف : التأخير والمدافعة ([54]) يقال : سوف الأمر ، إذا قال سوف أفعل ([55])

ويطلق التسويف على الأماني . يقال فلان يقتات السوف : أي يعيش بالأمني . قال الكميت :

وكان السوف للفتيان قوتاً تعش به وهنئت الرقوب

والتمني : حديث النفس بما يكون مستقبلاً وما لا يكون – أى مستحيلاً – وقيل إرادة تتعلق بالمستقبل ([56])

والتسويف والتمني داءان خطيران ، يفسدان القلب والوقت ، ويعرجان بالمرء إلى عالم الخيال .

أما التسويف : فصفة بليد الحس ، عديم المبالة . كما همت نفسه بخير ، وعاقها بـ (( سوف )) و ((سأعمل )) حتى يفجأه الموت فيقول ( رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)

فعلي طالب العلم أن يتنزه عن هذه المنقصة ، ويبادر بالأعمال ، عملاً بقوله تعالى ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ )

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)

فهو أعرف الناس بقيمة الوقت ، وأولاهم للانتفاع لقيمة الوقت وأولاهم بالانتفاع به كله .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - :

(( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ))

وكان ابن عمر يقول : (( وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك )) ([57])


قال ابن الجوزي :

ومن أجال علي خاطره ذكر الجنة التي لا موت فيها ولا مرض ولا غم ، بل لاذاتها متصلة من غير انقطاع ، وزيادتها علي قدر زيادة الجد ههنا : انتهب هذا الزمان ، فلم ينم إلا ضرورة ، ولم يغفل عن عمارة لحظة . ا هـ ([58])


وأما التمني : فمنه ممدوح ، ومنه مذموم .

أما الممدوح : فهو أن يتمنى فعل الخير المندوب ولا يستطيعه ، وله ثلاثة شروط :

الأول : العزم علي الفعل متى ما قدر عليه

الثاني : كونه في حدود الشرعيات ، كتمني بناء مسجدٍ ونحوه .

الثالث : أن لا يكون ديدن الإنسان ([59]) .

وأما المذموم فقد عبر عنه ابن القيم – رحمه الله تعالي – في شرح كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي عن مفسدات القلب : ركوبه بحر التمني ، وهو بحر لا ساحل له وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم ، كما قيل :

إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً إن المنى رأس أموال المفاليس

وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان ، وخيالات المحتال والبهتان . فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة ، والخيالات الباطلة ، تتلاعب براكبه ، كما تتلاعب الكلاب بالجيفة . وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ، وليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية بل اعتاضت عنها بالأماني الدنية .. قال فيتمثل المتمني صورة مطلوبة في نفسه ، وقد فاز بوصلها ، والتذ بالظفر بها فبينما هو على هذه الحال ، إذا استيقظ فإذا يده والحصير . ا هـ ([60]).

وأما أحسن ما قال أبو تمام :

من كان مرعى عومه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولا

وقد قيل لبعض الحكماء : من أسوء الناس حالاً ؟ قال من بعدت همته ، واتسعت أمنيته ، وقصرت آلته ، وقلت مقدرته .

وقال آخر : تجنبوا الأماني ، فإنها تذهب ببهجة ما خولتهم ، وتستصغرون بها نعمة الله عليكم ([61]).

فليتجنب هذا المرض ، وليحذر تمكنه منه ، فإنه كالسرطان الفتاك ، قل من يبرأ منه .

فكمن صريعٍ لا يفيق من سباته ، ولا يفتئت من قيوده ، أعاذنا الله وإياكم منه ، و أشغلنا بالعمل الصالح عن الأماني الكاذبة والخيالات الكاسدة ، وأحلام اليقظة ، التي تضيع الوقت ، وتخفف الميزان .

قال الشاعر : تمنيت أن تمسي فقيهاً مناظراً بغير عناء والجنون فنون

وهذه أبيات من قصيدة لي في هذا الموضوع



واهاً لأيام الدراسة إنها تكسو الفؤاد سعادة وتنفس

والمرءُ في زمن الصبا متوثب خيلاً تغير على الخيال وتنهس

حتى إذا بلغ المدى وتكشفت أحلامه عن سوءةٍ لا تحبس

وجد المعيشة صعبة لا تقتنى بالأمنيات ولا الزمان يؤنسُ

فاختر لنفسك غير أودية المنى فالعطب في وادي المني يترأس
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-07-2009, 02:31 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

شذرات من كلام العلماء

عن : العلم وطلبه

1- قال الحسن البصري – رحمه الله - : كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه ، وبصره ، ولسانه ، ويده ، وصلاته وزهده .

وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فيعمل به ، فيكون خيراً له من الدنيا وما فيها ([62])

2- قال الشافعي – رحمه الله – العلم علمان : علم الدين ، وهو الفقه . وعلم الدنيا وهو الطب . وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث ([63])

3- قال الأصمعي : إن ما أخاف على طالب العلم إذا لم النحو يدخل في جملة قوله عليه السلام :

(( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار )) ([64])

4- قال سحنون بن سعيد : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً ، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه ([65])

5- كان بعض الحكماء يقول : نفعنا الله وإياكم بالعلم ، ولا جعل حظنا منه الاستماع والتعجب ([66])

6- قال سفيان الثوري : إذا ترأس الرجل سريعاً أضر بكثير من العلم ، وإذا طلب وطلب بلغ ([67]).

7- قال العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : جاء عبدا لعزيز الدارودي في جماعة إلى أبي ، ليعرضوا عليه كتاباً ، فقرأه لهم الداودي ، وكان رديء اللسان ، يلحن لحناً قبيحاً ، فقال أبي : ويحك يا داودي ! أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك ([68])

8- قال الزهري ليونس بن يزيد :

( لا تكابر العلم فإن العلم أودية ، فأيها أخذت فيها قطع بك قبل أن تبلغه ، ولكن خذه مع الأيام والليالي ، ولا تأخذ العلم جملة ، فإن من رام اخذه جملة ذهب عنه جملة ، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي ) ([69])

من آداب المعلمين والمتعلمين ([70])

للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

إخلاص النية :

يتعين على أهل العلم من المتعلمين والمعلمين أن يجعلوا أساس أمرهم الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص الكامل والتقرب إلى الله تعالي بهذه العبادة التى هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها نفعاً ويتفقدوا هذا الأصل النافع في كل دقيقٍ من أمورهم وجليل ، فإن درسوا ، أو بحثوا أو ناظروا أو سمعوا أو استمعوا ، أو كتبوا أو حفظوا ، أو كرروا دروسهم الخاصة ، أو راجعوا عليها أو على غيرها الكتب الأخرى ، أو جلسوا مجلس علم ، أو نقلوا أقدامهم لمجالس العلم ، أو اشتروا كتاباً ، أو ما يعين على العلم ، كان الإخلاص لله ، واحتساب أجره وثوابه ملازماً لهم ، ليصير اشتغالهم كله قوة وطاعة ، وسيراً إلى الله وإلى كرامته ، وليتحققوا بقوله ص : (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة )) ([71])

فكل طريق حسي أو معنوي يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله ، فإنه داخل في هذا .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-07-2009, 02:32 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

طريقة الطلب :

ثم بعد هذا يتعين البداءة بالأهم فالأهم من العلوم الشرعية ، وما يعين عليها من علوم العربية . وتفصيل هذه الجملة كثير معروف يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص .

وينبغي أن يسلك أقرب طريق يوصل إلى المقصود الذي يطلبه .

وأن ينتقي من مصنفات الفن الذي يشتغل فيه أحسنها وأوضحها ، وأكثرها فائدة ، ويجعل جل همه واشتغاله بذلك الكتاب حفاظاً عند الإمكان أو دراسة تكرير بحيث تصير معانيه معقولة في ذهنه محفوظة ، ثم لا يزال يكرر ما مر عليه ويعيده .

ما ينبغي علي العالم لتلميذه :

وعلي المعلم أن ينظر إلى ذهب المتعلم ، وقوة استعداده أو ضعفه ، فلا يدعه يشتغل بكتاب لا يناسب حاله ، فإن هذا من عدم النصح ، فإن القليل الذي يفهمه ويعقله خير من الكثير الذي هو عرضة لعدم الفهم وللنسيان .

وكذلك يلقي عليه من التوضيح والتقرير لدرسه بقدر ما يتسع فهمه لإدراكه ، ولا يخلط المسائل بعضها ببعض .

وينبغي أن لا ينتقل من نوع من أنواع المسائل إلى نوع أخر حتى يتصور ، ويحقق السابق ، فإنه درك للسابق وبه يتوفر الفهم على اللاحق .

فأما إذا أدخل المسائل والأنواع بعضها ببعض قبل فهم المتعلم ، فإنه سبب لإضاعة الأول ، وعدم فهم اللاحق ، ثم تتزاحم المسائل التي لم يحققها على ذهنه فيملها ، ويضيق عطنه عن العود إليها ، فلا ينبغي أن يهمل هذا الأمر .

وعلي المعلم النصح للمتعلم بكل ما يقدر عليه من التعليم ، والصبر على عدم إدراكه ، وعلى عدم أدبه ، وجفائه ، مع شدة حرصه وملاحظته لكل ما يقومه ويهذبه ويحسن أدبه .

لأن المتعلم له حق علي المعلم ، حيث أقبل على الاشتغال بالعلم الذي ينفعه وينفع الناس ، وحيث توجه للمعلم دون غيره ، وحيث ما كان يحمله من العلم عن المعلم هو عين بضاعة المعلم ، فيحفظها وينميها ، ويتطلب بها المكاسب الرابحة ، فهو الولد الحقيقي للمعلم الوارث له ، قال تعالى :

( فهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5)رِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)(مريم: الآية6)



والمراد : وراثة العلم والحكمة .

فالمعلم مأجور على نفس تعليمه ، سواء أفهم المتعلم أو لم يفهم ، فإذا فهم ما علمه ، وانتفع به بنفسه ، ونفع غيره ، كان أجراً جارياً للمعلم ما دام ذلك النفع متسلسلاً متصلاً . وهذه تجارة بمثلها يتنافس المتنافسون .

فعلى المعلم أن يسعى سعياً شديداً في إيجاد هذه التجارة وتنميتها ، فهي من عمله ، وآثار عمله .

قال تعالى :

( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)(يّـس: من الآية12)

فما قدموا : ما باشروا عمله ، وآثارهم : ما ترتب على أعمالهم من المصالح والمنافع ، أو ضدها في حياتهم وبعد مماتهم .

وينبغي أن يرغب المتعلم بكل طريق ، وينشطه ولا يمله بإشغاله بما يعسر على فهمه من أنواع العلم ومفرداته .

آداب الطالب :

وعلى المعلم أن يوقر معلمه ، ويتأدب معه غاية ما يقدر عليه ، لما له من الحق العام والخاص .

حق العالم العام :

أما العام : فإن معلم الخير قد استعد لنفع الخلق بتعليمه وفتواه ، فحقه على الناس حق المحسنين ، ولا إحسان أعظم وأنفع من إحسان من يرشد الناس لأمر دينهم ويعلمهم ما جهلوا ، وينبههم لما عنه غفلوا ، ويحصل من الخير وانقماع الشر ، ونشر الدين والمعارف النافعة ما هو من أنفع شيء للموحدين ، ولمن أتى من بعدهم من ذريتهم وغيرهم ، فلولا العلم كان الناس كالبهائم في ظلمة يتخبطون فهو النور الذي يهتدي به في الظلمات ، والحياة للقلوب والأرواح والدين والدنيا ، والبلد الذي ليس فيه ما يبين للناس أمور دينهم ويرشدهم لما ينتابهم مما هم في غاية الضرورة إليه ، فقد أهله من ضروراتهم ومصالحهم ما يضر فقده بدينهم ودنياهم .

فمن كان هذا إحسانه ، وأثره علي الخلق كيف لا يجب على كل مسلم محبته وتوقيره ، والقيام بحقوقه ؟ !

حق العالم الخاص :

أما حقه الخاص على المتعلم ، فلما بذله من تعليمه ، الحرص علي ما يرشده ويوصله إلى أعلى الدرجات ، فليس نفع الآباء والأمهات نظيراً لنفع المعلمين المربيين للناس بصغار العلم قبل كباره ، الباذلين نفائس أوقاتهم ، وصفوة أفكارهم في تفهيم المسترشدين بكل طريق ووسيلة يقدرون عليها .

وإذا كان من أحسن إلي الإنسان بهديةٍ مالية ينتفع بها ثم تزول وتذهب له حق كبير على المحسن إليه ، فما الظن بهدايا العلم النافع الكثيرة المتنوعة الباقي نفعها ما دام حياً وبعد مماته ، المتسلسل بحسب حال تلك الهدايا ، فحينئذ يعرف أن له ممن الحق والتوقير وحسن الأدب والوقوف مع إشارته ، وعدم الخروج عما أشار إليه مما ينفعه من الأمور التي قد جربها وهو أعرف بها منه من كيفيات التعليم ونحوها ما ليس لغيره .

احترام العالم :

وليجلس بين يديه متأدباً ، ويظهر غاية حاجته إلى علمه ،ويدعوا له حاضراً وغائباً ، وإذا أتحفه بفائدة أو توضيح لمشكل ، فلا يظهر أنه قد عرفه قبله ، وإن كان عارفاً له ، بل يصغي غليه إصغاء المتطلب المتطلب بشدة إلى الفائدة . هذا فيما يعرفه ، فكيف بما لم يعرفه ، ولهذا كان هذا الأدب مستحسناً مع كل أحد في العلوم والمخاطبات في الأمور الدينية والدنيوية .

العمل إذا أخطأ المعلم :

وإذا أخطأ المعلم في شيء فلينبهه برفق ولطف بحسب المقام ، ولا يقول له : أخطأت ، أو ليس الأمر كما تقول ، بل يأتي بعبارة لطيفة يدرك بها المعلم خطأه من دون أن يتشوش قلبه ، فإن هذا من الحقوق اللازمة وهو أدعى إلى الوصول إلى الصواب ، فإن الرد الذي يصحبه سوء الأدب وإزعاج القلب يمنع من تصور الصواب ومن قصده .

الرجوع عن الخطأ :

وكما أن هذا لازم على المتعلم ، فعلي المعلم إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق ، ولا يمنعه قول قاله ثم رأى الصواب في خلافه من مراجعة الحق والرجوع إليه ، فإن هذا علامة الإنصاف والتواضع للحق فالواجب اتباع الصواب ، سواء جاء علي يد الصغير أو الكبير .

ومن نعمة الله علي المعلم أن يجد من تلاميذه من ينبهه على خطئه ، ويرشده إلى الصواب ، ليزول استمراره على جهله فهذا يحتاج إلى شكر الله تعالى ، ثم على شكر من أجري الله الهدى على يديه متعلماً كان أو غيره .

قول العالم : الله أعلم فيما لا يعلم :

ومن أعظم ما يجب علي المعلمين أن يقولوا لما لا يعلمونه : الله أعلم ، وليس هذا بناقص لأقدارهم ، بل هذا مما يزيد قدرهم ، ويستدل به على كمال دينهم ،وتحريهم للصواب .

فوائد التوقف عما لا يعلم :

وفي توقفه عما لا يعلم فوائد كثيرة .

منها : أن هذا هو الواجب عليه .

ومنها أنها إذا توقف وقال : الله أعلم فما أسرع ما يأتيه علم ذلك من مراجعته غيره فإن المتعلم إذا رأي معلمه قد توقف جد واجتهد في تحصيل علمها ، والتحاف المعلم بها ، فما أحسن هذا الأثر .

ومنها أنه إذا توقف فيما لا يعرف ، كان دليلاً على ثقته وأمانته وإتقانه فيما يجزم به المسائل ، كما أن من عرف منه الإقدام على الكلام فيما لا يعلم كان ذلك داعياً للريب في كل ما يتكلم به ، حتى في الأمر الواضحة .

ومنها : أن المعلم إذا رأي منه المتعلمون التوقف فيما لا يعلم كان ذلك تعليماً لهم وإرشاداً لهذه الطريقة الحسنة ، والإقتداء بالأحوال والأعمال ابلغ من الإقتداء بالأقوال .

المناظرة بين المتعلمين :

ومما يعين على هذا المطلوب أنه يفتح المعلم للمتعلمين باب المناظرة في المسائل والاحتجاج ، وأن يكون القصد واحداً ، وهو إتباع ما رجحته الأدلة ، فإنه إذا جعل هذا الأمر نصب عينيه وأعينهم تنورت الأفكار وعرفت المآخذ والبراهين، واتبعت الحقائق وكان القصد الأصلي معرفة الحق وإتباعه .

ذم التعصب :

فالحذر الحذر من التعصب للأقوال والقائلين ، وهو أن يجعل القصد من المناظرة والمباحثة نصر القول الذي قاله ، أو قاله من يعظمه ، فإن التعصب مذهب للإخلاص ، مزيل لبهجة العلم ، معم للحقائق ، فاتح باب الحقد والخصام الضار ،كما أن الإنصاف هو زينة العلم وعنوان الإخلاص والنصح والفلاح .

التحذير من طلب العلم للدنيا :

ثم الحذر الحذر من طلب العلم للأغراض الفاسدة والمقاصد السيئة من المباهاة ، والمماراة ، والرياء ،والسمعة ، وأن يجعله وسيلة للأمور الدنيوية والرياسة ، فليست هذه حال أهل العلم الذين هم أهله في الحقيقة ومن طلب العلم أو استعمله في أغراضه السيئة فليس له في الآخرة من خلاق .

العمل بالعلم :

ومن أعظم ما يتعين على أهل العلم الاتصاف بما يدعوا إليه العلم من الأخلاق ، والأعمال ، والتعليم ، فهو أحق الناس بالاتصاف بالأخلاق الجميلة ، والتخلي من كل خلق رزيل ،وهم أولى الناس بالقيام بالواجبات الظاهرة والباطنة وترك المحرمات لما تميزوا به من العلم والمعارف التي لم تحصل لغيرهم ،ولأنهم قدوة للناس ،والناس مجبولون على الإقتداء بعلمائهم شاءوا أم أبوا في كثير من أمورهم ، ولأنهم يتطرق إليهم من الاعتراضات والقوادح عندما يتركون ما يدعوا إليه العلم أعظم مما يتطرق على غيرهم .

وأيضاً فكان السلف يستعينون بالعمل بالعلم علي العلم فإن عمل به استقر ودام ونما وكثرت بركته ،وإن ترك العمل به ذهب أو عدمت بركته ، فروح العلم وحياته وقيامه إنما هو بالقيام به عملاً وتخلقاً ، وتعليماً ونصحاً ولا حول ولا قوة إلا بالله ألعلي العظيم .

طريقة التعليم :

وينبغي سلوك الطريق النافع عند البحث تعلماً وتعليماً ، فإذا شرع المعلم في مسألة وضحها ، وأوصلها إلي أفهام المتعلمين بكل ما يقدر عليه من التعبير ، وضرب الأمثال ، والتصوير والتحرير.

ثم لا ينتقل منها إلى غيرها قبل تفهيمها للمتعلمين ، ولا يدع المتعلمين يخرجون من الموضوع الذي لم يتم تعليمه وتقريره إلى موضوع آخر حتى يحكموه ويفهموه ، فإن الخروج من الموضوع إلى غيره قبل الانتهاء منه يحرم الفائدة كما تقدم .

تعاهد محفوظات المتعلمين :

وينبغي تعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالإعادة والامتحان ، والحث علي المذاكرة والمراجعة ،وتكرار الدرس فإن التعلم بمنزلة الغرس للأشجار ، الدرس والمذاكرة والإعادة بمثابة السقي لها وإزالة الأشياء الضارة عنها ، لتنموا وتزداد على الدوام .

أدب الزمالة :

وكما أن على المعلم توقير معلمه ، والأدب معه ، فكذلك أقرانه ، والمتعلمون معه عليه من مراعاة حقوقهم ، والأدب معهم أعظم من حقوق الأصحاب بعضهم على بعض فالصحبة في طلب العلم تجمع حقوقاً كثيرة ، لان لهم حق الأخوة والصحبة ، وحقوق الانتماء إلى معلمهم وأنهم بمنزلة أولاده ، وحقاً لنفع بعضهم بعضاً

ولهذا ينبغي أن لا يدع ممكنناً من نفع من يقدر علي نفعه منه بتعليمه ما يجهل ، والبحث معه للتعاون على الخير وإرشاده لما فيه نفعه .

وينبغي أن يكون اجتماعهم في كل وقت غنيمة يتعلم فيها القاصر ممن هو اعلي منه ويعلم العارف غير العارف ويتطارحون من المسائل النافعة وليجعلوا همهم معقوداً علي ما هم بصدده .

مضار الاشتغال بالناس :

وليحذر من الاشتغال بالناس ، والتفتيش عن أحوالهم ، والعيب لهم ، فإن ذلك إثم حاضر ، والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم ، ولأن غيرهم يقتدى بهم ، ومن كان طبعه الشر من غيرهم جعلهم حجة له ، ولأن الانشغال بالناس يضيع المصالح النافعة ، والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره .

القناعة باليسير :

واعلم أن القناعة باليسير والاقتصاد في أمر المعيشة مطلوب من كل أحد ، ولا سيما المشتغلون بالعلم ، فإنه كالمتعين عليهم ، لأن العلم وظيفة العمل كله أو معظمه ، فمتى زاحمته الأشغال الدنيوية والضروريات حصل النقص بحسب ذلك ، والاقتصاد والقناعة من أكبر العوامل لحصر الأشغال الدنيوية ، وإقبال المتعلم على ما هو بصدده .

بث العلم :

ومن آداب العالم والمتعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان حتى ولو تعلم الإنسان مسألة واحدة ، ثم بثها كان من بركة علمه ، ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك فمن شح بعلمه ، مات علمه بموته وربما نسيه وهو حي ، كما أن من بث علمه كان حياة ثانية ، وحفظاً لما علمه ، وجازاه الله من جنس عمله

تأليف القلوب :

ومن أهم ما يتعين على أهل العلم معلمين أو متعلمين ، السعي في جمع كلمتهم ، وتأليف القلوب على ذلك وحسم أسباب الشر والعداوة والبغضاء بينهم وأن يجعلوا هذا الأمر نصب أعينهم ، ويسعون له بكل طريق ، لأن المطلوب واحد والقصد واحد ، والمصلحة مشتركة فيحققوا هذا الأمر بمحبة كل من كان من أهل العلم ، ومن له قدم فيه واشتغال أو نفع ، ولا يدعون الأغراض الضارة تملكهم وتمنعهم من هذا المقصود الجليل ، فيحب بعضهم بعضاً ويذب بعضهم عن بعض ، ويبذلون النصيحة لمن رأوه منحرفاً عن الآخر ، ويبرهنون على أن النزاع في الأمور الجزئية التي تدعوا إلى ضد المحبة والاتلاف لا تقدم على الأمور الكلية التي فيها جمع الكلمة .

ولا يدعون أعداء العلم من العوام وغيرهم يتمكنون من إفساد ذات بينهم ، وتفريق كلمتهم .

من فوائد الائتلاف

فإن في تحقيق هذا المقصد الجليل والقيام به من المنافع ما لا يعد ولا يحصى ، ولو لم يكن فيه إلا أن هذا هو الدين الذى حث عليه الشارع بكل طريق وأعظم من يلزم القيام به أهله ، وأنه من أعظم الأدلة علي الإخلاص والتضحية اللذين هما روح الدين، وقطب دائرته ، وأن بهذا الأمر يتصف العلبد أن يكون من أهل العلم الذين هم أهله الذين ورد في الكتاب والسنة في مدحهم والثناء عليهم ما لا يتسع هذا الموضع لذكره .

وفيه أيضاً من تكثير العلم ، وتوسعة الوصول إليه ، وتنوع طرقه ما هو ظاهر فإن أهل العلم إذا كانت طريقتهم واحدة تمكن أن يتعلم بعضهم من بعض ، وأن يعلم بعضهم بعضاً ،وإذا كان كل طائفة منهم منزوية عن الأخرى ، منحرفة عنها ، انقطعت الفائدة وحل محلها ضدها ، من حصول البغضاء والتعصب والتفتيش من كل منهما عن عيوب الطائفة الأخرى ، وأغلاطها والتوسل به للقدح ، وكل هذا مناف للدين والعقل ، ولما عليه السلف الصالح حيث يظنه الجاهل من الدين .

فالموفق تجده ناصحاً لله بتوحيده ،والقيام بعبوديته ظاهراً وباطناً ، وبإخلاص واحتساب ، وتكميلاتها بحسب وسعه .وناصحاً لكتاب الله بالإيمان بما أشتمل عليه ، والإقبال على تعلمه وتعلم ما يتعلق به ويتفرع عنه من علوم الشريعة .

وناصحاً لرسوله ص بالإيمان بكل ما جاء به من أصول الدين وفروعه ، وتقديم محبته على كل محبة بعد محبة الله ، وتحقيق متابعته في شرائع الدين الظاهرة والباطنة .

وناصحاً لأئمة المسلمين من ولاتهم وعلمائهم ورؤسائهم في محبة الخير لهم والسعي في إعانتهم عليه قولاً وفعلاً ومحبة اجتماع الرعية على طاعتهم وعدم مخالفتهم الضارة .

وناصحاً لعامة المسلمين ، ويحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ويسعى في إيصال النفع إليهم بكل ممكن، ويصدق ظاهره باطنه ،وأقواله أفعاله ، ويدعوا إلى هذا الأصل العظيم والصراط المستقيم فنسأله تعالى أن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب العمل الذي يقربنا إلي حبه ، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب .

وصلى الله علي محمد وسلم ([72]).
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-07-2009, 02:35 AM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متواجد حالياً
II كَانَ اللهُ لَهُ II
 




افتراضي

[1] السير ( 15/273 ) .
[2] - متفق علي صحته .
[3] رواه ابن ماجة في سننه ( 1/95 ) ، ووأخرجه الحاكم فيالمستدرك ( 2/443 ) عن ابن عمر نحوه ، قال : حديث صحيح الاسناد وأقره الذهبي .
[4] - أخرجه الخطيب في (( اقتضاء العلم العمل )) ص 66 ، وانظر الدارمي ( 1/70 )
[5] - أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 2/338 ) ، وأبو داود في سننه ( 4/71 ) ، وابن ماجة في سننه ( 1/92 – 93 ) ، وصححه الحاكم ( 1/85 ) ةأقره الذهبي .
[6] - حاشية مسند أبي يعلى ( 11/261 ) .
[7] - السير للذهبي ( 9/122 ).
[8] - السير ( 19/141 ) .
[9] - جامع بيان العلم وفضله ( 1/118 ) .
[10] - جامع بيان العلم وفضله (2/22-23 ) .
[11] - أعلام النبلاء ( 7/17 )
[12] - أخرجه مسلم ( 4/2289 ) ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ص : (( .... ))
[13] - رواه ابن عبد البر في (( الجامع )) ( 1/199 )
[14] - رواه الخطيب في (( الاقتضاء )) ، ص 32.
[15] - رواه الترمذي في سننه ( 4/612 ) وقال حديث حسن صحيح .
[16] - ((اقتضاء العلم والعمل )) .
[17] - رواه ابن عبد البر فيالجامع ( 2/11 ) ، ونحوه عن وكيع كما في (( الجامع )) ( 2/132 ) .
[18] - بسطت الكلام علي هذا القسم في كتاب (( ضرورة الاهتمام بالجزئيات الشرعية علماً وعملاً )) 32.
[19] - (( رصيد الخاطر )) ، ص 144 .
[20] - تذكرة السامع والمتكلم ، ص 87 .
[21] - تصحيفات المحدثين ، للعسكري ( 1/6-7 )
[22] - (( شرح إحياء علوم الدين )) للزبيدي ( 1/66 ) .
[23] - نصيحة أهل الحديث ، للخطيب البغدادي ، ص 16 .
[24] - السير ( 8/434 ) .
[25] - ((شرح الإحياء )) ( 1/334 ) ز
[26] - السير ( 6/327 ) .
[27] - السير ( 9/351 ) .
[28] - الجامع ( 2/166 ) .
[29] - من (( صيد الخاطر )) ، ص 169 .
[30] - جامع بيان العلم وفضله ( 2/169 )
[31] - صيد الخاطر ، ص 244 .
[32] - دليل الطالب ، لمرعي الكرمي
[33] - زاد المستقنع ، للحجاوي .
[34] - الفتاوي السعدية ، ص 30-31 .
[35] - السير ( 18/191) .
[36] - الجامع ( 1/196 ) .
[37] - من (( صيد الخاطر )) ص 111 .
[38] - الجامع ( 1/142 ) .
[39] - صيد الخاطر ، ص 282 .
[40] - تهذيب الإحياء ( 2/136) .
[41] - رواه مسلم .
[42] - رواه مسلم .
[43] - السير ( 10/876 ) .
[44] - التذكرة ، للذهبي ( ترجمة الشعبي عامر بن شراحبيل ) .
[45] - السير ( 10/89 ) .
[46] - التذكرة للذهبي ( ترجمة مكحول ) .
[47] - الجامع ( 1/91 ) .
[48] - السير ( 14/206 ) .
[49] - ينظر مقامات بديع الزمان ( المقامات العلمية ) والزيادات التى هنا من بعض شيوخنا .
[50] - (( جامع بيان العلم وفضله )) ( 1/103 ) .
[51] - من (( صيد الخاطر )) ، ص 159 – 161 .
[52] - من قصيدة للشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – الفتاوى ، ص 647 .
[53] - بتصرف من (( صيد الخاطر )) ، ص 440.
[54] - مجمل اللغة ، لابن فارس ( 2/479 ).
[55] - أساس البلاغة ، ص 220 ، ط . دار المعرفة – بيروت .
[56] - فيض القدير للمناوي ( 1/319 ).
[57] - رواه البخاري ( 11/199 ).
[58] - من (( صيد الخاطر )) ، ص 323 .
[59] - فصلت أدلة هذه الشروط في رسالةٍ لي في التمني .
[60] - مدارج السالكين ( 1/456 -457 ).
[61] - آداب الدنيا والدين ص 308.
[62] - الجامع (1/60).
[63] - الحيلة ( 9/142 ).
[64] - السير ( 9/178 ).
[65] - الجامع (2/165 ).
[66] - الجامع ( 2/10 )
[67] - الحلية ( 7/81 ) .
[68] - السير ( 8/368 ).
[69] - جامع بيان العلم ( 1/104 ) .
[70] - هذه الرسالة ضمن الفتاوى السعدية ، وقد جعلت لها عناوين لتقريبها .
[71] - أخرجه مسلم ( 4/2074 ) عن أبي هريرة .
[72] - تمت رسالة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي .
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

منتديات الحور العين

↑ Grab this Headline Animator

الساعة الآن 02:34 AM.

 


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ منتدى الحور العين ::.