المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفريغ المحاضرة السابعة / تفسير سورة الفاتحة


أم أيمن
04-26-2010, 03:58 PM
http://album.m3com.com.sa/showImage/view/ImageID/1000194175/size/500



إنَّ الحمدَ للهِ , نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا , ومن سيئاتِ أعمالِنا. منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له , ومنْ يُضللْ فلاهاديَ له . وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدا عبدُه
ورسولُه. اللهم صلِّ و سلِّمْ و بارك عليه , و على آلهِ و صحبِه , و من تبِعهمْبإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ , فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ , وخيرَ الهديْ هديُ محمدٍصلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ , وشرَّ الأمورِ محدثاتُها , وكلَّ محدثَةٍ بدعةٌ , وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ , وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ .

)كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (ص29

)لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الحشر21

)اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِي َتَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِه ِمَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(الزمر23
تكلَّمْنا في الدروسِ السابقةِ عمّا اشتملتْ عليه سورةُ الفاتحةِ منالمعاني ؛ وتكلمنا عن الاستعاذةِ و أركانِها , و الأحكامِ الفقهيةِ المتعلقةِ بها , كما تكلمنا عن الأحكامِ الفقهيةِ المتعلقةِ بالبسمَلَةِ .
و الآنَ , نبدا على بركة الله في تفسيرِ السورةِ الكريمةِ .
السبعُ المثاني و القرءانُ العظيمُ الذي أُعْطِيَهُ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ
سورةُ الفاتحةِ (مكية)7

)الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(
بداية السورة( الحمد لله رب العالمين) وهذه أول كلمات المصحف، يقابلها آخر كلمات سورة الناس (من الجنة والناس) ابتدأ تعالى بالعالمين وختم بالجنة والناس بمعنى أن هذا الكتاب فيه الهداية للعالمين وكل مخلوقات الله تعالى من الجنة والناس وليس للبشر وحدهم او للمسلمين فقط دون سواهم.
ما معنى "الْحَمْدُ لِلَّهِ"؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ" هو الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, الثناء على الجميل من نعمه أو غيرها مع المحبة والإجلال. فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه .فعندما أقول ) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(أحمد الله وأذكر إنعامه، وأعترف بفضله، حيث أنه أنعم وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة ، )وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(النحل53 أنعم وتفضل وأعطانا، فهو المنعم المتفضل على العباد؛ أحمده وحده، فهو المستحق للحمد.

مواطن الحمد

الحمد لله تقال في الابتداء وعند الانتهاء كذلك.في الابتداء: الحمد لله رب العالمين، بدئت بها السورة. وفي ختام المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك. وعند المنام: الحمد لله الذي كفانا وآوانا. وعند الاستيقاظ: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. وعند الركوب: متضمنة في قوله تعالى: ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزخرف:13]. وفي شتى المواطن تذكر: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]. وكذلك: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].

والله جلا وعلا يحمد على أسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وله الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة وله الحمد في الأولى والآخرة، وأعظم نعمه إرسال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين كما قال تعالى ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( ,ومما يحمد الله عليه :خلق السماوات والأرض .قال تعالى ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ... ( . الأنعام:
وعلى دخول الجنة .قال تعالى وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( .
) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ... إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( .وعلى صفات الكمال كالوحدانية وغيرها .قال تعالى ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ( .وعلى إنزال الكتاب .قال تعالى ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ( وعلى ما له في السماوات والأرض .قال تعالى ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(.
1- قال بعض العلماء إن هذه الكلمة ( الحمد لله ) كلمة كل شاكـر ويدل لذلك :
قول أهل الجنة ) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ( وقولهم أيضا ) الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (..وبقول نوح عليه السلام ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ...(وبقول إبراهيم عليه السلام ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ...(وبقول داود وسليمان عليهما السلام ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( ووردت أحاديث في فضل الحمد لله .
قال صلى الله عليه وسلم ( الحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض ) رواه مسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم ( أفضل الذكر : لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله ) رواه الترمذي .
الفرق بين الحمد والمدح
الحمد هو: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب كونه منعما على الحامد وغيره، ويعرفه بعض العلماء بأن الحمد: ذكر محاسن المحمود مع حبه، وتعظيمه وإجلاله، ولا يكون الحمد إلا للحيّ العاقل.
{ الحمد لله } وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم؛ الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ ولا بد من قيد وهو "المحبة والتعظيم" ؛ قال أهل العلم: "لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة ولا تعظيم: لا يسمى حمداً؛ وإنما يسمى مدحاً"؛ ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح؛ لكنه يريد أن ينال منه شيئاً؛ نجد بعض الشعراء يقف أمام الأمراء، ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة لا محبة فيهم؛ ولكن محبة في المال الذي يعطونه، أو خوفاً منهم؛ ولكن حمدنا لربنا عزّ وجلّ حمدَ محبةٍ، وتعظيمٍ؛ فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم؛ و "أل" الألف و اللام في لفظ { الحمد } للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد. و اللام الداخلة على لفظ الجلالة ( لله ) للاستحقاق , و المعنى : الحمد كله بجميع أصنافه و أجناسه مستحق لمن ؟ لله تبارك و تعالى . أو الله تبارك و تعالى هو المستحق للحمد دون سواه.
كل ما أصبحنا فيه من نعمة أو أمسينا فمن الله , حتى إن مصالحنا و حوائجنا التي تُقضى على يد بعض الناس إنما الفضل في الحقيقة فيها لمن ؟ لله ، هو الذي سخر لنا الناس لقضائها ,و هو الذي قدر أن تقضى على أيديهم , فالفضل والمنة كلها لمن ؟ لله. فالحمد لله تبارك وتعالى.
أما المدح : هو الثناء وذكر المحاسـن من الصـفات والأعمال ويكون للحي ولغير الحي ، و للعاقل وغير العاقل ، فقد يتوجه للجماد أو الحيوان كالذهب والديك فلا يختص بشيء معين فقد نمدح حيواناً مثلاً كأن نمدح الديك ولكننا لا نحمده. وفرق آخر أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان فيحمد من قدم جميل الأعمال أو اتصف بجميل الصفات لذلك لا نحمد إلا من يستحق الحمد بفعل جميل أو صفة حسنة أما المدح فقد أمدح إنساناً ولم يفعل شيئاً من المحاسن ولذا نهينا عن المدح وأُمرنا بالحمد فقد قال صلى الله عليه وسلم: "احثوا التراب في وجوه المدّاحين" في حين قال " من لم يحمد الناس لم يحمد الله" فكان الحمد أولى من المدح.
يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول ( الحمد لله ) فإننا نحمد الله الحي القائم الذي اتصـف بصـفات تسـتـحـق الحمد ،ونعترف له بالتفضل والتكرم فقد أسبغ علينا من نعمه وإحسانه ظاهرا وباطنا ما لا يعد ولا يحصى مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه.
(الشكر لله)
لو تقصينا الفرق بين المدح والشكر نجد أن الشكر لا يكون إلا عقب نعمة أو إحسان أُسدي إليك دون غيرك ولا يكون في الصفات فلا نشكر الشخص على عِلمه أو لأنه يتصف بصفة العلم أو الرحمة أو غيرها من الصفات الذاتية له .
أما الحمد فإنه لا يختص بذلك فنحن نحمد الله على إنعامه لنا ولغيرنا ونحمد الله على قدرته وعلمه وفضله فكان اختيار الحمد أولى من الشكر أيضاً.
فيكون الشكر على ما وصل للشـخـص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره ,والشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصـفات .
أما الحمد فيكون ثناء على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا
فالشكر إذن أضيق نطاقا ، إذ يختـص بالنعم الواصلة إلى الشـخـص الذي يشكر فحسـب .
مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم من الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر.
"رَبِّ الْعَالَمِينَ" الرب, هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور. وهو المربي جميع العالمين. بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى.
وتربيته تعالى لخلقه. نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, رزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه. وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة من كل شر. ولعل هذا المعنى, هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب.فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
فالرب اذن هو المربي، فإذا قيل للعبد: من ربك؟ قال: ربي الله، الذي رباني، وربى جميع العالمين بنعمته؛ أي الذي ربى عباده تربية كاملة، حيث أنعم عليهم حتى نشأوا؛ فهم دائما في نعمته، ربى عباده بنعمه؛ كافرهم، ومؤمنهم، كلهم تربوا على نعمه، وعلى فضله، هذه تربيته لعباده.
فدل قوله "رَبِّ الْعَالَمِينَ" على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه. وتمام فقر العالمين إليه.
وتطلق لفظ رب على :السيد المطاع وعلى المصلح وعلى المعبود. وتطلق على السيد المالك ,كما قال يوسف عليه السلام للذي ظن أنه ناج من صاحبيه ,في قوله تعالى) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ(يوسف42فالرب معناه : السيدالمطاع.
و الرب بمعنى المالك ؛ رب المال ,و رب الدار، و رب الإبل ؛ أي ؛مالكها.
والرب بمعنى المربي وهي اشهر معانيه , واولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيرا بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى ) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خلقه ثم هدى ( (طه آية 49-50) ) فاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى( (طه آية 122) ) سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى( (الأعلى آية 1-3 ) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الانعام آية 161 ) وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً( الكهف آية 24 ) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (الشعراء آية 62 ) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ( الصافات آية 99 ) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (القصص : 22) (القصص آية 22) لذا ناسب لفظ رب مع اهدنا الصراط المستقيم وفيها طلب الهداية.
و الرب بمعنى المصلح ، المربي و منه قيل لبنت الزوجة ربيبة , لأن زوج أمهارباها، و أصلح من شأنها , و قام على تربيتها. و يطلق (الرب ) علىالمعبود .و لا يطلق هذا اللفظ بكل هذه المعاني إلاعلى الله سبحانه و تعالى ؛فالله سبحانه و تعالى هو السيد المطاع , وهو المالك , و هو المصلح , و هو المعبود سبحانه و تعالى . إلا أن هذه اللفظة (رب ) بغير الألف و اللام , تشترك بين الله و بين غيره ؛فالله ربالسماوات و الأرض , وفلان رب المال , و رب الدار , و رب الإبل . أماإذا دخلت الألف و اللام على هذه الكلمة (رب ) فلا تنصرف إلا إلى من ؟ الله عز و جل. إذا قيل :الرب تنصرف إلى الله , لأن الألف و اللام للعهد , فلا تنصرف إلا إليه سبحانه و تعالى.
§ الْعَالَمِينَ اختلف ما المراد بالعالمين على أقوال :
قيل : كل موجود سوى الله ، وهذا قول قتادة ورجحه القرطبي وابن كثير .
وقيل : أهل كل زمان عالم لقوله تعالى ) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ( أي من الناس .
وقيل : الجن والإنس ، لقوله تعالى) تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً(.
وقيل : العالَم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين .
والصحيح الأول ، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود ، ودليله قوله تعالى ) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ.( الشعراء
)رَبِّ الْعَالَمِينَ (http://quran.al-islam.com/Display/Display.asp?l=arb&nType=1&nSora=1%20&nAya=2%20)( بفتح اللام , والذي يقرؤها رب العالِمين، أي بكسر الآم تبطل قراءته؛ لأن الله تعالى رب الخلق كلهم؛ إذا قال: رب العالِمين، فإنها تختص بأهل العلم، ولا يكون ربا لبقية العالم؛ العالم هم الخلق كلهم، حيوانهم، وجمادهم، متحركهم، وساكنهم، كلهم عالم؛ يعني أنهم علم على قدرة من أنشأهم، وخلقهم؛ فعندما نقول: رب العالمين يعني: رب الخلق كلهم.
عن ابن عباس )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(، الحمد لله الذي له الخلق كله, السموات والأرضون ومَن فيهنّ وما بينهن مما يُعلم ولا يعلم.
ما وجه تسمية (الْعَالَمِينَ)؟
العالم مشتق من العلامة :لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته, كما قال ابن المعتز:
فيا عجبا كيف يعصى الإله.......أم كيف يجحده الجاحدُ
وفي كل شيء له آية .......... تدل على أنه واحدُ
وقيل : مأخوذ من العِلم ، لأن هذا الخلق لا يصدر إلا عن علم ومعرفة بأحوالهم .
{ العالمين }:تطلق أحياناً ويراد به الإنس والجن كما قال تعالى )تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً(.
وأحياناً تطلق على البشر كقوله تعالى ) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ(
وقال العلماء: كل ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى,ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق على قدرته وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته.
والمراد بالعالمين : السمواتُ و الأرضُ و ما بينهما ,كمافي القرآن الكريم في حوار موسى مع فرعون ) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. (الشعراء )قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ(.
والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين لكن اختيار العالمين على العوالم امر بلاغي يعني ذلك ان العالمين جمع العالم بكل اصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم خاص للمكلفين واولي العقل (لا تشمل غير العقلاء) فلا يقال لعالم الحشرات او الجماد او البهائم العالمين وعليه فلا تستعمل كلمة العالمين الا اذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم. بدليل قوله تعالى )تبارك الذي نزل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيرا( (الفرقان آية 1) ومن المؤكد انه ليس نذيرا للبهائم والجماد. وبهذا استدلوا على ان المقصود بالعالمين اولي العقل واولي العلم او المكلفون.
أما العوالم قد يطلق على اصناف من الموجودات ليس منهم البشر او العقلاء او المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات).
والعالمين قد تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين او قسما من جيل )قالوا اولم ننهك عن العالمين( (الحجر آية 70) في قصة سيدنا لوط جاءت هنا بمعنى قسم من الرجال.
اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة لان السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية واظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص باولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات او الكلمات. وقد ورد في آخر الفاتحة ذكر المغضوب عليهم وهم اليهود، والعالمين رد على اليهود الذين ادعوا ان الله تعالى هو رب اليهود فقط فجاءت رب العالمين لتشمل كل العالمين لا بعضهم.
)الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(
و( الحمد لله) ,كلمة أحبها الله تبارك و تعالى , و أحب أن تقال , فحَمِدَ نَفسَه بِنَفْسِه قبل أن يحمده غيره . و هناك خمس سور في القرآن الكريم استفتحت بالحمد.

)الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الفاتحة
)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ... ( الأنعام:

)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا(الكهف1

)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير ُ(سبأ1

) الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فاطر1

فحَمِدَ الله تعالى نَفسَه بِنَفْسِه قبل أن يحمده غيره , و كأنه يُعَلِّم عباده أن يحمدوه , و يُعْلِمُهم أنه غني عن حمدهم إياه إذا لم يحمدوه , و لذلك قال تعالى:

)ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( التغابن6

والله تبارك و تعالى يجزل على كلمة الْحَمْدُ للّهِ العطاء , و يعظم عليها الأجر والثواب ,حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(الطُّهور شطر الإيمان و الحمد لله تملأ الميزان ,و سبحان الله و الحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات و الأرض) .
و الحمد لله تشرع في مواضع منها :
بعد الفراغ من الأكل والشرب , ففي الحديث عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال:( إن الله لَيرضَى عن العبد أن يأكلَ الأكلة فيحمدَه عليها , أو يشرب الشربة فيحمدَه عليها) .و في الحديث عنه عليه الصلاة و السلام) من قال إذا فرغ من طعامه : الحمد لله الذي أطعمني هذا و رزقنيه , من غير حولٍ مني و لا قوة , غُفر له ما تقدم من ذنبه( .
و تشرع الحمد لله عند استحداث ثوب جديد , فعندما نلبس ثوب جديد نقول
)اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه من غير حول مني و لا قوة , أسألك خيره و خير ماجعل له , و أعوذ بك من شره و شر ما جعل له( .
و تشرع الحمد لله عندالنوم, فمن أذكار النوم أن نقول :
سبحان الله ثلاثأ و ثلاثين مرة , و الحمدلله ثلاثا و ثلاثين مرة , و الله أكبر أربعا و ثلاثين مرة .
و تشرع الحمدلة عند الاستيقاظ , فمن أذكار الاستيقاظ أن نقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا , وإليه النشور .
الحمد لله الذي رد عليَّ روحي , و عافاني في جسدي و أذن لي في ذكره .
و تشرع الحمد لله عندركوب الدابة , فمن أذكار ركوب الدابة أن نقول:
الحمد لله الذي سخرلنا هذا , و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون الحمد لله , الحمدلله , الحمد لله. فعن علي بن الربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتى بدابة يركبها فلماوضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله الذي سخرلنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات. ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت . الحديث رواهأحمد وأبو داود والترمذي .
و تشرع الحمدلة عند رؤية مبتلى،فمن رأى مبتلى فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به ,وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا عافاه الله من هذا البلاء.
من فوائد الآية )الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(
-1 إثبات الحمد الكامل لله عزّ وجلّ، وذلك من "أل" في قوله تعالى: { الحمد }؛ لأنها دالة على الاستغراق..

-2 ومنها: أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه ما يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" ؛ وإذا أصابه خلاف ذلك قال: "الحمد لله على كل حال" ..

-3 ومنها: تقديم وصف الله بالألوهية على وصفه بالربوبية؛ وهذا إما لأن "الله" هو الاسم العَلَم الخاص به، والذي تتبعه جميع الأسماء؛ وإما لأن الذين جاءتهم الرسل ينكرون الألوهية فقط..

.4 ومنها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله تعالى العالمين.. ) وربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة الواسعة للخلق الواصلة.فهي ربوبية رحمة ، وإنعام لا ربوبية أخذ وانتقام.

-5 قوله تعالى رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه دليل على انفراده سبحانه بالخلق والتدبير ، والملك وتمام فقر العالمين إليه .
قال بعض العلماء : واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره ، وبيانه من وجوه :
الأول: أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه، وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم.
الثاني: أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله وهو متعال عن النقصان والضرر ، كما قال تعالى : ) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(.
الثالث: أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه ، والحق تعالى بخلاف ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء ) .
الرابع: أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط ، أما الحق تعالى فإنه يعطي قبل السؤال ، ألا نرى أنه رب العبد حال كان جنيناً في رحم الأم ، وحال ما كان جاهلاً غير عاقل ، لا يحسن أن يسأل منه ، ووقاه وأحسن إليه مع أنه ما سأله وما كان له عقل ولا هداية .
الخامس: أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة .
السادس: أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم ، أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل ، كما قال : ) وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ( .فثبت تعالى أنه رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين ، فلهذا قال تعالى في حق نفسه )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( .
6 -أنه يجب الخضوع والرجوع إلى الله في كل شيء لأنه هوخالقنا ومدبرنا.
-7 وجوب شكر الله على خلقه وتدبيره للعالم .
8 -أنه لا يستحق الربوبية إلا من اتصف بصفات الكمال ، فكل آلهة غير الله فهي ناقصة .
وإلى هنانكتفي بهذا القدر , سائلين الله العظيم ,رب العرش العظيم , أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا, ونور صدورنا, وجلاء أحزاننا , وذهاب همومنا وغمومنا . اللهم ذكِّرنا منه ما نُسِّينا , وعلِّمنا منه ما جهلنا, وشفِّعه فينا واجعله حجة لنا لا علينا, وارزقنا تلاوته آناء الليل , وأطراف النهار لعلك ترضى عنا .
والحمد لله ربِّ العالمين ,وصلى الله وسلم وبارك على نبينامحمد , وعلى آله وصحبه أجمعين
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد ان لااله إلاأنت نستغفرك ونتوب اليك

ام احمد المصرية
04-27-2010, 03:36 PM
جزاكِ الله كل خير على جهدك معلمتنا الفاضلة
أسأل الله ان يبارك فيكِ وفي أمثالك ، وأن يجعلكِ قدوة حسنة لأمثالنا من طالبات العلم.

أم أيمن
05-02-2010, 07:41 PM
اسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكر لك مرورك الطيب أختي الكريمة ودعاؤك المبارك
ولك بالمثل وزيادة
جزاك الله خيرا

ليااال
05-02-2010, 10:46 PM
جزاكي الله خيرا

ليااال
05-09-2010, 11:42 PM
لو سمحتي يا أستاذتنا الفاضلة
يوجد محاضرتين باسم
المحاضرة السادسة
فأظن أن هذه المحاضرة هي السابعة
وجزاكم الله خيرا